mercredi 2 octobre 2019

مدارس الأدب المقارن


المحاضرة السابعة:  مدارس الأدب المقارن
       يتفق الباحثون على أن ميلاد الأدب المقارن كان بفرنسا، وأن نشأته قد أحاطت بها أجواء فكرية وسياسية خاصة كسواد المنهج التاريخي في مجال البحث وانتعا فكرة المحاكاة، فضلا عن التفات الأوربيين إلى تراثهم الأدبي المشترك وسعيهم الحثيث  إلى محاكاة مظاهر عظمته وأصالته. أما سياسيا فإن رغبة فرنسا في استعادة دورها ومكانتها في أوربا والعالم، كل ذلك قد أسهم في بلورة مدرسة فرنسية تاريخية وفق منظور تاريخي شغل القرن التاسع عشر كله وامتد إلى قسم كبي.
1 _ المدرسة التاريخية:
نشأ الأدب المقارن بمفهومه العلمي في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن العشرين، وكان ثمرة لجهود باحثين أمثال (J.Texte)  الذي نشر سنة 1893 مقالا بعنوان (دراسات عن الأدب المقارن في الخارج وفي فرنسا)، قدم فيه تصورا واضحا للعلم الجديد، يليه Fernand Baldensperger ، وJ.Marie Carré   ، Paul Van Tieghem  الذي ركز على استقصاء سبل التأثر والتأثير، شأنه في ذلك شأن المقارنين التاريخيين فعرّف الأدب المقارن بأنه: "دراسة الآداب المختلفة من ناحية علاقاتها بعضها ببعض"([1])، وبالتالي فقد حصر موضوع الدراسة المقارنة في تلك الجوانب التي يؤثر فيها أدب ما في أدب آخر أو يتأثر به، دون بقية مظاهر الإبداع التي تنطوي عليها الأعمال الأدبية والتي قد تمدّ الدارس بمجال بحث خصب يسهم به في تكوين صورة أوضح عن التراث الإنساني في كليته وشموليته.
تستند نظرة المدرسة الفرنسية التاريخية التقليدية إلى الأدب المقارن ودوره ومجاله العلمي ومنهجيته إلى جملة من القواعد والأسس والخلفيات النظرية والفلسفية، أولها حصر موضوعه في تتبع مظاهر التأثر والتأثير بين الآداب وسبل ذلك التأثر كالترجمة، الرحلة، الصحف، والمجلات، ثم أنواع التأثر والتأثير وأشكالهما ومجالاته (الموضوعات، المواقف، الأجناس...)، وطبيعته (تأثير، تقليد، تقمص، تناص، تجاوز...).
       ويقيّد الفرنسيون إجراء المقارنة بشرط جوهري هو ثبوت الصلة، يقول عصام بهي: "تقوم نظرية الأدب المقارن عند الفرنسيين على تتبع التأثر والتأثير ونتائجهما بين الآداب المختلفة اللغات، التي كان الاتصال بينها مؤكدا"([2])، فلا يكفي ثبوت التشابه أو التقاطع لإجراء المقارنة ما لم يثبت بالدليل المادي حدوث صلة بين الأدبين أو الأديبين.
       وتحت تأثير التيار التاريخي الذي ساد في فرنسا وأوربا خلال القرن التاسع عشر، اتخذت الدراســــات المقارنـــــــة نزعـــــــــة تاريخيـــة في دراسة الأدب، تلك النزعة التي يرى أصحابها أن تاريخ الأدب إنما هو، في جزء كبير منه، تاريخ مصادره ومواده ومواضيعه الأدبية التي تنتقل داخل الأدب القومي وبين الآداب المختلفة، بطريقة لا تخلو من أثر يجعل دراستها ممكنة بالبحث عن الأدلة والوثائق التي تثبت حدوث الانتقال أو التأثر والتأثير([3])، وإذ تحدد مفهوم المقارنة بهذا الشكل، فقد مال عمل المقارنين التاريخيين إلى "الاهتمام بالقضايا التاريخية المحيطة بالنصوص الأدبية وأصحابها، بينما يعزى البحث في النصوص نفسها للنقد الأدبي، مما حول المقارنــــــــــــــة إلى بحث تاريخي لا صلة له بالأمور الفنية والجمالية، وتحول النص إلى مجرد وثيقة تاريخية أكثر مما هو عمل إبداعي".
       ورافقت التوجه التاريخي للمدرسة الفرنسية  نزعة وضعية يعتقد أصحابها أن المعرفة الصحيحة هي التي تستند إلى منهج تجريبي تتم وفقه البرهنة على وجود التأثر والتأثير بالأدلة والوثائق الملموسة  التي لا تدع مجالا للشك، وتكون نتائج بحثه موضوعية غير مبنيــــــة على الحدس أو التخمين، فقد دعا هيبوليت تين (Hippolity Taine)  وسانت بوف (Saint Beuve) إلى جعل الدراسات المقارنة علما موضوعيا، بناءً على قاعدة مفادهـــــــــــــــــــــا أنّ الأسباب نفسها تؤدي حتما إلى النتائج نفسها.
 لقد كان تزاوج النزعتين: التاريخية والوضعية السِّمة الواضحة التي طبعت جهود رواد المدرسة الفرنسية، وكان من ثمارها تَنَبُّــــــــــه الدارسين إلى ضرورة إخراج كتابة تاريخ الآداب القومية من دائرتها المحصورة داخــــل الحدود القومية واللغوية الضيقة لهذا الأدب أو ذاك، لتأخــــــــــــــــــذ في الحسبان العلاقات والامتدادات الخارجية لتلك الآداب.
       ويضاف إلى تلك القواعد فكرة المركزية الأوربية، إذ اعتبرت الثقافة الأوربية عامة والفرنسية خاصة مركز الإشعاع ومصدر القوة والأصالة المستَمدّتين من الماضي الإغريقي واليوناني العريق، بينما اعتبرت باقي الثقافات، ولا سيّـــــــــــما الإفريقية والعربية، متأثرة وتابعة. ومن هذا المنطلق سارت جل الدراسات المقارنة الغربية في اتجاه البحث عن آثار ذلك الإشعاع والتأثيـــر معبّرة _في الغالب_ عن فكر استعماري مُتعالٍ. وبقدر ما تضمنتــــــــــــــــــــــــه من إصرار على إثبات عبقرية الأدب القومي وأصالته وتفرُّده، "فإنّ دراسات التأثير والتأثّــــــــــــــر قد برهنت على بطلان مقولة "الاكتفاء الذاتي" للآداب القومية واستقلالية تلك الآداب وتفردها"([4])
       ويصرّ رواد المدرسة التاريخية على فكرة اختلاف القومية كشرط أساس لا تستقيم المقارنة بدونه، وعلى الحاجز اللغوي فلا تتم المقرنة بين نصين من لغة واحدة، وإلا غدا الأمر مجرد موازنة ترمي إلى إبراز معالم التفوق في لغة واحدة، أو تأثر أديب بأديب آخـــــــــــــــــــــر من بني جنسه. وإن كان واقع البحث قد اصطدم بعقبات جعلت شرط اختلاف اللغة غير مُلزِم، فكثرة انتشار الإنجليزية مثلا جعلها لغة إبداع في أقطار متباعدة جغرافيا واجتماعيا وفكريا حدث بين أدبائها تواصل وتأثر وتأثير كالهند وإنجلترا وأمريكا، يقول د/ إبراهيم عوض: "وتشترط المدرسة الفرنسية -كما ألمحنا - أن تكون هناك صلات تاريخية بين العمليــن أو الظاهرتين أو الأدبين المراد مقارنتهما... سواء أكُتب هذان الأدبان بلغة واحدة أم بلغتين"، فالمقارنة بين أديب إنجليزي وآخر هندي تبقى ممكنة حتى وإن كانت اللغة التي كتبا بها واحدة هي الإنجليزية، ماداما منتميين إلى قوميتين مختلفتين والصلة بينهما ثابتة. 
       لقد تربعت المدرسة التاريخية على عرش الأدب المقارن لعقود بلا منازع، وإن لم تسلم من انتقادات كثيرة نوجزها في الآتي:
1.   الاهتمام بسياق العمل الأدبي وبما هو خارج النص من ظروف تاريخية وصلات أدبية، وإهمال جوهر الإبداع.
2.   النزعة الاستعمارية المتعالية التي تلقي على آداب الأمم المستضعفة في الغالب أحكاما مسبقة بالدونية والتبعية.
3.   تهيئة الجو لظهور مشاعر الشوفينية والتعصب العرقي.
4.   الاهتمام بالبحث التاريخي والتوثيق على حساب النقد الأدبي، فالتاريخيون لم يهتموا بالنص الأدبي ولم يلامسوا أدبيته.
5.   عدم الانسجام بين المنطلقات القومية للمدرسة وبين فكرة العالمية التي تغنى بها روادها.


[1] ) _ عصام بهي، طلائع المقارنة في الأدب العربي الحديث، ص15.
[2] ) _
[3] ) _ ينظر: عز الدين المناصرة، الأدب المقارن مشكلات وآفاق، ص26.
[4] ) _ عز الدين المناصرة، الأدب المقارن، مشكلات وآفاق، ص27.


المحاضرة السادسة: بوادر المقارنة في الأدب العربي:
       يستدعي الحديث عن المقارنة في الأدب العربي الوقوف عنـــــــــــــــــد مجموعــــــــــــــــــــــــــــــــــــة من المصطلحات التي غالبا ما تلتبس مع مفهوم هذا العلم الجديد بسبب حضور فكرة التأثر والتأثير في عديد الدراسات النقدية القديمة أولا، وقيام أنواع من المقبلات بين نصوص وقع بينها تشابـــــــــــــــه أو تلاقــــــــــــــــح أو تفاضل.
       لعل قضية الإعجاز القرآني قد كان لها الدور الأكبر في فرض نوع من ( المحاكاة) امتد حضورها في الإنتاج الأدبي العربي لقرون طويلة، فكان القسط الأوفر منه يسيــــــــــــــــــــر في اتجاه تَمَثُّل صور الكمال في لفظ الآيات ومعانيها وتوجيهاتها، ثم جاء توسع حدود الدولة الإسلامية ليفرض نوعا آخر من المبادلات بين الأدب العربي والآداب الهندية والفارسية والرومانية، ظهرت نتائجها في صورة أعمال كان لها تأثيرها العميق في توجهات الإيداع العربي، بل أن آثارها امتــدت إلى الأوربيين، ونقصد بالذكر هنا تلك الأعمال القصصية الخالدة مثل (كليلة ودمنة)، (ألف ليلة وليلة) و(قصة السندباد)، التي انتقلت إلى اللغات الأوربية عن طريق الترجمة. والحديث عن حركة الترجمة يقودنا حتما إلى التذكير بالفكر الفلسفي الوافد على العرب من روما واليونان، وتثمين الاحتكاك المثمر بين الشعر العربي وشعر التروبادور في الأندلس، فبفضله حدث في أوربا ذلك " التغيّـــــــــــــــــر في الذوق الاجتماعي الذي أضحى   يقدس الحبّ " ([1] ) 
       غير أن صور المحاكاة تلك، وذلك الكم الهائل من المبادلات التي حدثت بين الأدب العربي والآداب الأجنبية، لم يوجه النقد العربي نحو التاريخ لتلك الصلات المثمرة، ولم تتعهد جهود النقاد العرب حدود تلك المقارنات والموازنات التي تعرضت لأنموذجيـن أدبيّيــــــــــــــــــــــــــــــــــن من قومية واحدة ولغة واحدة " كالموازنة بين الطائيين" للآمدي. وهي موازنات " أقل خصبا وأضيق مجالاً وأهوَن فائدة من الدراسات المقارنة" ([2]) ، ذلك أنها تكشف مظاهر نمو الإبداع وتطوره في إطار زماني ومكاني محدود، ولا تنفتح آفاقها على روية الإبداع في أبعاده الإنسانية العالمية، وكيف أسهم في إثراء الرصيد الأدبي للبشرية، إما بالأخذ من بعضه لإعادة صياغته في صور جديدة، أو بإثرائه بنماذج جديدة تزيده غنى.
       وتصنف في باب الموازنة أيضا تلك الإشارات النقدية إلى قضية السرقات الأدبية التي شغل الحديث عنها حيـزًا كبيـرا من نقدنا القديم، دون أن تثمر نتيجة أكبر من مفاضلات منحت السبق لأديب دون آخر في إطـــار بلاغي منغلق، دون أن تطرق باب ذلك الكم الكبير من المبادلات الفلسفية والأدبية بين العرب وغيرهم، فقد تأجـل ظهور بوادر المقــارنة في الأدب  العربي إلى غاية عصر النهضة حين مدّت الرحلات والبعثات العلمية والترجمة جسور  الصلات بين الأدبين العربي والأوربي، فأثمر التلاقي بينهما أولى طلائع المقارنة أمثال رافع رفاعة الطهطاوي، علي مبارك، أديب إسحاق، نجيب الحداد، روحي الخالدي وسليمان البستاني، وسنكتفي بذكر نماذج قليلة من هؤلاء.
تشير الدراسات إلى أن أول ظهور لمصطلح الأدب المقارن في الأدب العربي كان سنة 1936 لدى كل من خليل هنداوي وفخري أبو السعود في مجلة الرسالة، أين نشر هذا الأخير مقالة بعنوان: (في الأدب المقارن: الأثر الأجنبي في الأدبين العربي والإنجليزي). وقد انصرف في كل كتاباته لمعالجة صور التشابه والاختلاف بين الأدبين دون الالتفـــــــــــــــــات إلى توضيح مفهوم المقارنة أو تحديد موضوعها وعلاقتها بقضية التأثر والتأثير، وربما كان ذلك السلوك مقصودا منه، فقد أظهر فخري أبو السعود ميلا واضحا إلى المنهج الأمريكي بأبعاده الإنسانية المتحررة. ([3])
ومن أحدث الجمعيات العربية التي عنيت بشؤون الأدب المقارن، الجمعية الجزائرية التي تأسست سنة 1964، وكانت لها مجلة سنوية (كراسات جزائرية للأدب المقارن)، وكذا الجمعية اليابانية وجمعية كوريا الجنوبية " ([4] ) .
1-           رافع رفاعة الطهطاوي ( 1801 – 1873):
       أديب مصري سافر في بعثة علمية إلى فرنسا عام 1826 دامت خمس سنوات، ألف خلالها " تخليص الإبريز في تلخيص باريز" ، فجاء " موسوعة في وصف الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في فرنسا" ص 27، واعتمد في ذلك منهجا قائما على مقابلة مشاهداته بصور الحيـاة العربية ليخلص في الغالب إلى إصدار حكم تفاصلي، ففي الجزء الذي أفرد فيه الحديث عن " لسان أهل باريس" يفيض في مدح لغة الفرنسيين مؤكدا على سعة معجمها وكثرة كلماتها التي لم تنتـج عن تلاعب بالألفاظ أو عن ترادف أو محسّنات لفظيــة بل هو ثراء حقيقي يعكس سعة اللغة، مستشهدا بعدم استحسان الفرنسيين للتورية والجناس. (ينظر ص: 26- 27).
       ويمضي في حديثه عن تميز الفرنسية بكونها لغة نثر، والنثر هو " لسان العلوم والتاريخ والمعاملات والمراسلات ونحو ذلك" (ص28)، بينما تتميز اللغة العربية بالسجع وبكونها لغة شعر، بدليل كثرة العلوم المنظومة شعرا فيها. ويثير الطهطــاوي في غمار حديثه عن الأساطير اليونانية القديمة قضية وثيقة الصلة بالأدب المقارن في مفهومه الفرنسي التاريخي القائم على فكرة التأثر والتأثير، إذ نبّه بوضوح إلى " قيام الأدب الفرنسي الحديث – ونضيف الأدب الأوربي الحديث كله – على التراث اليوناني القديم " (ص 33)، ثم عمـــــــــــــــد إلى إجراء مقارنة بين الأساطير العربية والأساطير اليونانية القديمة. "وهكذا نجد الطهطاوي قد ضرب بسهمه في "المقارنة" حتى قبـــل أن ينشأ العلم نفسه في أخريات القرن الذي كتب في أوائله" (ص 36).
       وإن كانت مقارناته قد نأت عن القضية الجوهرية في الأدب المقارن، وهي ( التأثر والتأثير) أو (المبادلات) بين أدبين قوميين، واكتفت بمقابلة الظواهر بعضها ببعض والمفاضلة بين هذا الأدب وذاك. فإن ذلك لا يقلل من قيمة كتاب الطهطاوي الذي طرق فيه أبواب المقارنة قبل ميلادها عند الغرب، وقبل أن تتأسس للعلم الجديد قواعده الأولى، مما يبرر مزجه بين المناهج، وعدم التزامه بالتاريخي وحده. ثم إن قيمة مجهـــوده تكمُــــــــــــــــــــــــن _من وجهة نظر مقارنة _  في فتح نافذة يطل منها العرب على فكر غير فكرهم ونمط حياة غير حياتهم.
  ومما يحسب للطهطاوي، فضلا عن مزية السبق، إحاطته الواسعة بالثقافتين العربية والفرنسية لغة وأدبا وعادات وتاريخا، وذلك واحد مــــــــن شروط المقارني الساعي إلى تأصيل الظواهر الأدبية وتفسيرها بدل الوقوف عند حدود الإحصاء والوصف الخارجي.
2 – يعقوب صروف: لبناني، أسس مجلة شهيرة (المقتطف)، نشر فيها ثلاث مقالات متتالية في أفريل، ماي، وجوان تحت عنوان: (شذور الإبريز في نوابغ العرب والإنجليز)، فيهما   مقابلات بين شخصيتين، واحدة عربية وأخرى إنجليزية: صلاح الدين الأيوبي/ ريتشارد قلب الأسد، أبو العلاء المعري/ جون ميلتون، ابن خلدون وسبنسر)، انتهج في المقابلتين الأخيرتين منهجا واحدا قوامه: ذكر سيرة الرجلين، حياتهما وأعمالهما، المقارنة بينهمـــــــــــــــــــــــــــــــا من حيث الشخصيــــــة والأعمال والنشاط. وركز  في عمله هذا على المقابلة دون أن يبحث في قضية التأثر والتأثير.   



 ([1] )  إبراهيم عبد الرحمن، الأدب المقارن بين النظرية والتطبيق، ص :75. 
 ([2] ) – محمد غنيمي هلال، الأدب المقارن، ص: 16.   
[3] ) _ ينظر: حيدر محمد غيلان، الأدب المقارن ودور الأنساق الثقافية، مجلة دراسات يمنية، مركز البحوث والدراسات اليمني، صنعاء، اليمن، ع 80، 2017، ص 81 - 86، (مقالة).
[4] )ينظر: كلود بيشوا وأندري.م. روسو، الأدب المقارن، ص: 57.      

التأسيس الفعلي وتشكُّل الرؤية


المحاضرة الخامسة: التأسيس الفعلي وتشكُّل الرؤية:
يعد الحديث عن الإرهاصات الأولى للأدب المقارن ضروريا لتأصيل مجال دراسة جديد، تشكلت معالمه وتبلورت مفاهيمــــــــــــــــه من تفاعل أفكار وتيارات نقدية أفرزتها على مر العصور ملابسات التاريخ الأدبي وتحولات الفكر النقدي، فمحاولات المقارنة بين الآداب ضاربة في القدم، إذ ظهرت منذ العصر الروماني كما تشير بعض المصادر، وإن كان الميلاد الفعلي للمفهوم قد تأخر إلى غاية القرن التاسع عشر.
  لقد كان للمحاكاة دور واضح في فتح أبواب التأثر والتأثير، وكان لحركة النقد الرومانسي أثر قيّم في كسر حدود الآداب القومية والاهتمام بدراسة الجذور التاريخية لثقافة الأديب وفكره، بينما كان تأثير النهضة العلمية أبلغ بكثير، فقد جنحت بالنقد نحو التفكير العلمي، ووجّهته إلى البحث في أصول الأفكار والثقافات والاتجاهات والأجناس الأدبية، وفق منهج المقارنة الذي أثبت صلاحيــــــــــــــــــــــته من قبل في مجال العلوم التجريبية، وبذلك فإن هذه النهضة هي التي "أدت إلى ظُهور الأدب المقارن نهائيا إلى الوجود"([1] ) ثم اتضحت معالمه مع جيل الرواد. وتعتبر فرنسا المهد الأول للأدب المقارن نظرا لعوامل ثقافية واجتماعية وسياسية أهمها:
1.        كان المناخ الثقافي الفرنسي منذ العصر الكلاسيكي مواتيا لممارسة البحث الأدبي المعمق لاسيما بعد أن تعاقب على فرنسا حكام اهتموا بالعلم والثقافة وعملوا على جعل من فرنسا مركز إشعاع ثقافي في أوروبا.
2.         كان الفرنسيون أول من تنبه إلى قيمة التراث المشترك بينهم وبين المناطق الأوروبية الأخرى، مما أنشأ الأساس الأول للتفكيـــــــــــــــــر في الأدب المقارن.
3.            رغبة فرنسا الشديدة في استرجاع مكانتها الثقافية الماضية من خلال التوسعات الاستعمارية في البلدان الإفريقية.
كان كل من أبيل فيلمان (Abel Villemain) و(جان جاك أمبير) (J.J.Ampère)، وفيلاريه شال (Philarète Chasles)، الرواد الحقيقيين الذين أسسوا الأدب المقارن في فرنسا.
ويعد الفرنسي أبيل فيلمان (Abel Villemain) المؤسس الأول للأدب المقـــــــــــــــــارَن، ففي عام 1828 ألقى بجامعة السوربون بباريس، فصلا دراسيا في الأدب الفرنسي تحت عنوان (دروس في الأدب الفرنسي)، تناول فيه التأثير الفرنسي في إيطاليا خلال القرن 18م والتأثيرات المتبادلة بين الأدب الفرنسي والأدب الإنجليزي، وقد طُبعت تلك الدروس سنتي 1828 و1929 في كتاب استخدم المؤلف في مقدمته مصطلح (الأدب المقارن)، مشيـــــــــــــرا إلى أنه يرغب في أن يبين، في إطار مقارن، ما استفادته الروح الفرنسية من الآداب الأجنبية وما ردّته إليها ([2] )، مؤسسا بذلك لهذا الفرع الجديد من الدراسات النقدية.
وفي مقام آخر، يذكر فيرنان بالدنسبيرجيه F.Baldensperger) ( أن ميلاد الأدب المقارن كان على يد (جان جاك أمبير) (J.J.Ampèreعام 1830 بنادي الأتينيه الثقافي (Athenée) بمرسيليا، أين ألقى عام 1830 محاضرات في الأدب المقارن لفتت إليه الأنظار، مما أدى به إلى الانتقال من "مرسيليا" إلى السوربون حيث كان يلقي محاضـرات حول الأدب الفرنسي وعلاقاته بالآداب الأخـرى في العصور الوسطى. وفي محاضرة موضوعها (شعر الشمال منذ الإيدا*)، دعا جان جاك أمبير (Jean Jack Ampère ) إلى التوجه نحو دراسة تاريخ الفنون والآداب المقارنة لأنهما المفتاح الذي نلج به إلى دراسة فلسفة الآداب والفنـون([3] ) ، كما أعلن في محاضرة أخرى ألقاها بجامعة السوربون أن الوقت قد حان للقيام "بهذا الدرس المقارن الذي يظل تاريخ الأدب بدونه ناقصا"([4])
وممن كانت لهم الريادة في مجال الدراسات المقارنة بفرنسا أيضا، فيلاريه شال (Philarète Chasles) الذي دعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا في خطبة ألقاها سنة 1835 بنادي (أتينيه Athenéeونُشرت في مجلة (revue de paris)، إلى دراسة الأدب الأجنبي المقارن، مُعتبرا التأثر والتأثير حتمية لا يحيا أدب بدونها فقال: "كل العالم يستعير بعضه البعض، فهذا العمل العظيم، عمل الجاذبية عالمي مستمر" ([5] )، وخارج هذه الجاذبية والتفاعل فإن كل عمل أدبي منعزل يبقى حلقة مقطوعة من سلسلة  شذّ عنها.
وفي عام 1886 نشر بوسنت (Hucheson M.Posnett) كتابه (الأدب المقارن)، "وهو بحث تاريخي حول جذور آداب العالم أجمع وتطورها، يستخدم فيه منهج المشابهات ليستنتج قوانين توارث الأنواع الأدبية كما تحددها البنى الاجتماعية"([6])
وإذا كان فيلمان رائد الأدب المقارن بمقالاته ودروسه، فإن لبول فون تييغم (Paul Van Tieghem) الفضل في نشر أول كتاب تربوي فرنسي في هذا المجال هو الأدب المقارن_1931 ([7])، الذي أعطى للأدب المقارن تعريفا يحصره في دراسة (العلاقات الثنائية، أي علاقات بين عنصرين فحسب، سواء أكان هذان العنصران كاتبين أو كتابين أو طائفتين من الكتاب أو الكتب)، ووضع مقابل ذلك مصطلح (الأدب العام) الذي يعنـــــــــــــــــــــــــــــي البحث في الحقائق  المشتركة بين آداب عدة، أي خارج حدود العلاقات الثنائية.
وبعده جاء "فرناند بالدنسبرجيه (F. Baldensberger) الذي ألف كتابا بعنوان " غوته في فرنسا" سنة 1904، ثم عين أستـاذا في السوربون، حيث استحدث كرسيا للأدب المقارن سنة 1910. وفي سنة 1903 انعقد بباريس مؤتمر عالمي جمع أساتـــــــــــــــــــــذة الأدب في فرنسا وخارجها حيث بحثوا في موضوع التاريخ المقارن للآداب، وقد دعوا في هذا المؤتمـر إلى دراسة التراث الشعبي والأساطيـر والخرافات جنبا إلى جنب مع الأدب، كما أكدوا على ضرورة المقارنة بين مختلف الآداب الأوروبية.
ويعد بول فإن تييجم (Paul Van Tieghem) رائدا أيضا بكتابه ( تاريــــــــــــــــخ الأدب في أوربا وأمريكا منذ عصر النهضة حتى أيامنا هذه)، كما ألف فيرنان بالدنسبيرجيه (Fernand Baldensperger) كتابا عن (جوته) سنة 1904 بفرنسا، وأسس رفقة بول هازار (Paule Hazard ) مجلة (الأدب المقارن) عام 1921، وفي عام نفسه تمكن من إكمال الطبعة الأخيرة لأول موسوعة قيّمة عنوانها (بيبليوغرافيا الأدب المقارن)، ضمت ستة آلاف عنوان، وهي مؤلف وضعه زميله المتوفى جوزيف تيكست (Joseph texte) وطبع مرات عديدة.  وأتم نشر الطبعة الأخيرة لأول بيبليوغرافيا للأدب المقارن،.
إنّ فرنسا كانت سباقة إلى إنشاء هذا الفرع المعرفي الأدبي الذي شق لنفسه، ومنذ البداية، منهجا خاصا متميزا صارت تسميته تنسب إليها فيما بعد.
 وإلى جانب فرنسا، هناك بريطانيا التي ظهر فيها أول كتاب في الأدب المقارن ما، بين عامي 1837-1839، في أربعة مجلدات بعنوان "مقدمة لدراسة الأدب الأوروبـــــــــــــــــــــــــيّ في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر والقرن السابع عشر" لهنري هالام (Henry Hallam). ويعتبر الشاعر والناقد الإنجليزي" ماثيو آرنولد" (M.Arnold) أول من جارى الفرنسيين في استخدام مصطلح" الأدب المقارن" وإذاعته بين القراء.
أما في ألمانيا فكان يعتبر الأدب المقارن فرعا من تاريخ الأدب، وكان الأستاذ "كاسبير دانيال مورهوف" (Kasper Daniel Morhof) أول من تنبّه إلى أهمية الأدب المقارن فــــــــــي الدراسات الجامعية، وأول من أدخله في المناهج الدراسية تحت اسم "تاريخ الأدب العام"، وظل الحال على ما هو عليه حتى نهاية القرن التاسع عشر. فالألمان لم يتفرغوا لدراسة الأدب المقارن إلا بعدمـا اشبعوا أدبهم القومي دراسة وبحثا، ولم يدخل الأدب المقارن إلى الجامعة إلا في سنة 1887 على يد الأستاذ "ماكس كوخ" (Max koch) الذي نشر أول عدد من مجلة "الأدب المقارن".  
وفي روسيا، تأسست ملامح (علم الأدب المقارن) الروسي ثم السوفياتي، الذي تعود بداياته إلى مدرسة فيسيلوفسكي التي تصدّت للمركزية الأوربية، ودعت إلى توسيع الحدود المكانية والزمانية للأدب المقارن، وتطبيق قوانين الحتمية التاريخيــــة والماديـــــــة الجدليـــــــــــــــــــــة في دراسة الظواهر الأدبية، مع دراسة مظاهر التأثر والتأثير في إطار عملية أدبية واحدة. ومن رواد هذه المدرسة: جرمونسكي، كونراد، ماتيلوفا، وإسيموف.
لقد شهد  القرن التاسع عشر انطلاقة فعلية للعلم الجديد فظهرت مؤلفات ومجلات كثيرة عنيت به، كمجلة (الأدب المقارن) التي تأسست ببلجيكا سنة 1882، ومجلة ( دورية التاريخ المقارن للأدب) التي أسسها الألماني (ماكس كوخ Max Koch) عام 1886.
       وفي أوسلو، تأسست (اللجنة الدولية لتاريخ الأدب الحديث) سنة 1928 بمبـــــــــــــــــــادرة من بول فان تييجم، واعتمدت خطة للتأليف الجماعي تمخضت عن كتاب قيم ألف تحت إشراف تييجم نفسه سنة 1937 هو ( الفهرس التاريخي للآداب الحديثة).
        ويعد كتاب (مراجع الأدب المقارن) الذي ألفه بالدنسبيرجيه وفريدريك (W.P.Friederich ) سنة 1950 وضمّ ثلاثة وثلاثين ألف مرجع، واحدا من أحدث المراجع وأهمها.
أما الجمعيات الناشطة في مجال الدراسات المقارنة فنذكر منها الجمعية الجزائرية التي تتشكلت سنة 1964، وأسست لنفسها مجلة عنوانها (كراسات جزائرية للأدب المقارن).
أهمية دراسة الأدب المقارن:
تكتسي الدراسات المقارنة للأدب أهمية بالغة بالنسبة للآداب القومية خاصة وللأدب عامة، نلخصها في أربعة عناصر هي:
أ‌_  خدمة الأدب القومي: يجني الأدب القومي عديد الفوائد من الأدب المقارن، أهمها:
1- فك العزلة عن الأدب واللغة القوميين، والتخفيف من حدة التعصب لهما، لألاّ يكون مصيرهما الانغلاق الخانق للإبداع، يقول هنري جيفورد Henery Gifford  في كتابــه: " الأدب المقارن": إن الأدب الإنجليزي كان بحكم الكبرياء الإنجليزية قد عزل نفسه عن الآداب العالمية توهما من الأدباء الإنجليز أن ما عندهم أفضل مما عند الآخرين"،  كما تحـــــــــــــــدّث عن الصدمة التي أحدثها تدفق المصطلحات والأساليب والتعابير الأمريكية على اللغة والأدب الإنجليزيين، معترفًا بأهمية الوافد الجديد في فك العزلة عن الأدب الإنجليزي وإثراء لغته، وخلق جوّ منافسة كبير بين الأدبيين.
2-  تحديد المستوى الحقيقي للأدب القومي، مقارنة مع غيره من الآداب.
3- تمييز الأصيل من الدخيـل في أدب ما، وذلك بتمحيص العمل الأدبي وتحسّس جميع مستويات التعبيـر من صوت ومعجم وتركيب ودلالة، مع قياسه بالسائد المعروف  والوارد المختلف من أشكال التعبير، تمهيدًا " لبناء تاريخ أدبي متكامل تعلل فيه الظواهر الأدبية تعليلا دقيقا، وترد إلى أصولها التي انتقلت منها"([8])   وهذا عمل يتطلب دراية واسعة بالنماذج الأدبية السائدة.
4-  إثراء الأدب القومي وتجديده، وفتح آفاق التطور والثراء أمامه، سواء من حيث الأجناس الأدبية أومن حيث الموضوعات التي يعالجها الأدب القومي، أو الأفكار التي تتردد بين الأدباء في ثقافة معينة، فالأدب المقارن يفتح العيون على ألوان جديدة من أجناس وأفكار متداولة في آداب أخرى خارجية، وبذلك يجد الأدباء القوميون الفرصة للتأثير والتأثر ونقل أفكار جديدة وأجناس أدبية، لم تكن معروفة لدى الأدب القومي قبل الانفتاح على الآداب الأجنبية، فقد انصب عمـل الرواد الأوائـل أمثال مـدام دي ستال Madame de stäel ودوبلاي de Bellay على تعريف الفرنسيين بالأدبين الألماني والإنجليزي، مشيدين بما فيــه من قيم إنسانية وإبداعية.
ب‌_        خدمة الأدب العالمي: يهتم الأدب المقارن بدراسة الظواهر الأدبية التي يتجاوز انتشارها حدود الأدب القومي الواحد، كالرمزية وكالمدرسة الكلاسيكية التي سادت الأدب الأوربي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، فدراسة هذه التأثيرات والامتدادات تؤدي حتمـا إلى التقريب بين الشعوب والمجتمعات الإنسانية، بكشف مظاهر التأثر والتأثير بينها، ورصد امتدادات الإبداع الإنساني وجذوره التي غالبا ما تسري في اتجاه تأكيد عالميته، أو مساهمته في الرصيد العام للأدب، كما أن تثمين تلك المبادلات وتقويتها يؤدي حتما إلى فك العزلة والانغلاق عن آداب أمم بقيت منكفئة على ذاتها فتحس بالجمال الكامن في آداب غيرها من الأمم، ولا يخفى الأثر البالغ  الذي أحدثته النقاشات الأدبية العديدة التي احتضنها  صالون مدام دي ستال Madame de stäel) المسمى كوبيه (Coppet)، بين شخصيات أدبية سويسرية وفرنسية وألمانية وإنجليزية مختلفة في فتح أعين الفرنسيين على إبداع غير إبداعهم وأذواق غير أذواقهم، ومع تلك الليبرالية واتساع التوجه الكوزموبوليتي في أوربا الذي كان يحدو رواد النادي أمثال روسو (Rousseau) وديدرو (Diderot) وفولتير (voltaire)  وجوته (Goethe)، فقد فصار من الضروري "أن يكف الفرنسيون في النهاية، عن الادعاء بتفوق الذوق الكلاسيكي ومحاولة فرضه على أوربا، وكان من الضروري الاعتراف بوجود أذواق مختلفة، وبنسبيتها"،([9]) فقد كان من إنجازات الدراسات المقارنة منذ نشأتها إزالة هالة القداسة التي كانت تعلو المبادئ الكلاسيكية السائدة، وتأكيد فشل شعار (المركزية الأوربية والفرنسية بالخصوص) أمام ما تم كشفه من أذواق وفنون سادت الأدبين الإنجليزي والألماني وغيرهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


([1] ) – المرجع نفسه، ص: 46.
 ([2] )ينظر: كلود بيشوا وأندريه م. روسو، الأدب المقارن ص: 36. وعز الدين المناصرة، مقدمة في نظرية المقارنة، دار الكرمل، عمان، الأردن، ط1،
          1988،ص9.    
* الإيدا ( Edda) اسم يعني ( فن الشعر) ويطلق على ديوانين من دواوين الشعر الإيسلندي في القرن: 13.
[3] )ينظر: كلود بيشوا وأندريه م. روسو، الأدب المقارن، ص 36 – 37. ودانييل هنري باجو، الأدب العام والمقارن، تر: غسان السيد، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سوريا، 1997، ص 11.   
[4]) _ المرجع نفسه، ص37.                 
 ([5] ) المرجع نفسه ص 40.     
[6] )_ كلود بيشوا وأندريه م. روسو، الأدب المقارن ص: 41.
[7] )_ ينظر: عز الدين المناصرة، مقدمة في نظرية المقارنة، ص 9.
([8]) - إبراهيم عبد الرحمن، الأدب المقارن بين النظرية والتطبيق، ص: 9 .    
([9]) كلود بيشوا وأندريه م. روسو، الأدب المقارن، ص 32

الدراسات المقارنة العربية

المحاضرة الحادية عشرة :   الدراسات المقارنة العربية I – البدايات : كانت النهضة العربية علمية أولا ثم بعدها أدبية، ولعل أول من وضع الل...