المحاضرة
الأولى: الأدب المقارن.
المصطلح والمفهوم: الأدب المُقارَن هو نهج أو منظور معين في دراسة الأدب، ويتفق
جـل الباحثين على أن دلالة المصطلح تاريخية لارتباطه بظاهرتي "التأثُّر
والتأثيـر" بين الآداب، وما تعنيـه من تأريخ لمظاهر الاحتكاك والانتقال. ويعرفه
طه ندا الأدب المقارن بأنه: "دراسة الأدب القومي في علاقاته بغيره من الآداب،
كيف اتصـل هذا الأدب بذاك الأدب، وكيف أثّر كل منهمــا في الآخر... وعلى هذا
فالدراسـة تصف انتقالا من أدب إلى أدب"([1]) مهما كانت مظاهر هذا الانتقال كالصور والخيال والعواطف
والفنون بذاتها، وتَلَمُّسُ مظاهر العبور تلك هو تأريـــــــــخ أو تأصيل لها في
الوقت نفسه.
ويؤكد محمد غنيمي
هلال المدلول التاريخي للمصطلح بتحديد مجال اهتمامه، فهو "يدرس مواطـن
التلاقي بين الآداب في لغاتها المختلفة، وصلاتها الكثيرة المعقدة، في حاضـرها أو
في ماضيها، وما لهذه الصلات التاريخية من تأثير أو تأثر... ثم مـا يمتّ إلى ذلك من
عوامل التأثر والتأثير"([2]).
تتأكد أهمية الحديث عن البعد التاريخي لدى رواد هـذا "التوجه
التقليدي" بشكل خاص، من خلال تركيزهـم على دراسة الصلات الأدبية، ومن خلال
اعتبارهم تلك الصلات وما يتبعها من تأثر وتأثير الخطَّ الفاصل بين ما هو أدب مقارَن
وما هو دون ذلك من الدراسات النقدية الأخرى. ومن هنا جاء التركيز على (ثبوت الصلة)
عند التاريخيين، كشرط أساس لقيام أية مقارنة. فالدراسات المقارنة ما هي إلا
"وسيــــلة من وسائل دراسة التأثير والتأثر بين الأعمال الأدبية، والتأريخ
للحركات الفنية في إطار أشمل وأوسع هو إطار
العالمية"([1])،
فكل أدب قومي، مهما كانت لغته، لا بد أن يلتقي مع الآداب العالمية، ويحمل إرثا من
الإفادة والعطاء المتبادلين ليصبح جزءًا لا يتجزأ من الإرث الأدبي للبشرية جمعاء،
فمهمة الدارس المقارن تتمثل في الكشف عن مصادر التيارات
الفنيّة والفكريّة في الأدب القوميّ، وعن تأثيره في آداب الأمم الأخرى، مما يعود
بالفائدة على الأدب القوميّ نفسِه، حيث تسمح الدراسة بكشف ما فيه من أصالة وتنوُّع
وغِنًى.
ومقابل التعريف
السابق، نقرأ في كتاب (الأدب العام والمقارن) لهنري باجو التحديد التالي: "الأدب
المقارن هو الفن المنهجي الذي يبحث في علاقات التشابه، والتقارب، والتأثير، وتقريب
الأدب من مجالات التعبير والمعرفة الأخرى، أو أيضاً، الوقائع والنصوص الأدبية فيما
بينها، المتباعدة في الزمان والمكان أو المتقاربة، شرط أن تعود إلى لغـــــــــــــــــــــات
أو ثقافات مختلفة، تشكل جزءاً من تراث واحد من أجل وصفها بصورة أفضل، وفهمها،
وتذوقها. " ([2])
يحدد
هذا التعريف المهمة الأولى للدراسة المقارنة، وهي تقريب الأدب من مجالات التعبير
والمعرفة الأخرى كأن يقرّب نصاً أدبياً من عمل سينمائي أو لوحة فنية أو قطعة
موسيقية، أو عندما يقارن بين الأدب والتاريخ، والأدب والتحليل النفسي أو بينه وبين
بقية العلوم، وهو توجه يفتح الباب أمام إمكانية الانتساب إلى لغات وثقافات متعددة.
ومن المصطلحات التي كثيرا ما حدث التباس بينها وبين
الأدب المقارن، مصطلحا (الأدب العام) و(الأدب العالمي). إذ نجد (ماريوس فرونسوا
غويارM .F.Guyard
) يسعى إلى
إزالة اللبس حين يحدد مفهوم الأدب
المقارن من زاويتين: أما وطنيا، فـــ"ـالأدب المقارن ليس
المقابلة، فهذه ليست إلا واحدة من طرائق علم يمكن تسميته (تاريخ العلاقات
[1] ) – إبراهيم عبد
الرحمن – الأدب المقارن بين النظرية والتطبيق. الشركة المصرية العالمية للنشر،
الجيزة، مصر، 2000، ص:6 .
[2] )
_ دانييل - هنري باجو ، الأدب العام والمقارن، ترجمة : غســان الســـيد ، منشورات
اتحاد الكتاب العرب، 1997، ص 12
الأدبية الدولية)" ([1])،
وأما عالميا، فقد "جرت
محاولات كثيرة لتوسيع المقارنة حتى (أدب عام) ، يدرس "اللمسات المشتركة لعدة
آداب" (بول فون تييغم)، سواء أكان بينها مشتركات أو توارد. وتبعا لعبارة غوته
"الأدب العالمي"، كان (كان بمعنى:حَدَثَ) سعيٌ لإيجاد هذا الأدب من
"الآثار التي نحبها معا". لكن كلا الرأيين،كان يبدو، في أول الخمسينيات،
ميتافيزيقيا أو غير نافع، لدى أغلب المقارنين الفرنسيين."([2])،
لأن رواد المدرسة الفرنسية أمثال بول هازار، جون ماري كاري وفرنان بالدنشبيرغر كانوا
أكثر تمسكا بمسألة التأثر والتأثير واختلاف اللغة والقومية، وأكثر رفضا لفكرة
توسيع مفهوم المقارنة خارج الإطار التاريخي الضيق، فَهم يَرَوْنَ "أن حيثما،
لا علاقة بعد، بين رجل ونص، بين أثر وبيئــــــــــــــــــــة، أو بين بلد
ومهاجر، تتوقف العلاقة المشتركة في الأدب المقارن، لتبدأ علاقة النقــد أو علاقة
البيان والبلاغة"([3])، وبذلك لم يبقوا أي مجال لتوسيع مفهوم الأدب المقارن
قاعدة التأثر والتأثير وما تقتضيه من ثبوت الصلة بالدليل.
ومن هنا فإنّ معالم
المدرسة الفرنسية القديمة تتحدد من خلال الشروط الصارمة التي قيدت بها مفهوم المقارنة،
وهي:
أولا: التمسك بالمنهج التاريخي في دراسة الأدب (جان ماريه كاريه، بول هازار،
ماريوس فرونسوا غويار، سيمون جون، فرناند بالدنشبرغر، أبيل فلمان).
ثانيا: وجود تأثر وتأثير فعليين، أي صلات تاريخية ثابتة بالدليل المادي بين الآداب
المدروسة.
ثالثا: اشتراط اختلاف القومية.
رابعا:اختلاف اللغة التي كتبت بها الآداب المدروسة.
خامسا: الإصرار على فكرة المركزية الأوربية كشرط غير مُعلَن يتم الانطلاق منه
عند الدراسة، وهو ما تولّدت عنه بعض المفاهيم المُتعالية مثل (الروائع الأوربية)
و(المؤثر إيجابي والمتأثر سلبي). غير أن التيار الجديد الذي ظهر في فرنسا بقيادة
كل من (رينيه إتيامبل، روسو، بيشوا، برونيل) قد أبدى معاداته لكل أشكال الشوفينية
والعُنصرية في الأدب المقارن، فبفضل "الثقافة الموسوعية لإتيامبل، طُبعت
نزعته في الأدب المقارن بطابع الشمولية والكونية التي لا تحتقر مسبقا أية ثقافة أو
أي شعب"([4])، وبذلك يكون قد تميّـــــــــــــــــز
عن بقية رواد المدرسة الفرنسية برفض المركزية الأوربية، وبانتقاد التوجه التاريخي.
لقد اكتنف مصطلح الأدب المقارن كثير من
الغموض منذ نشأته الأولى في الدراسات الغربية، وتعددت تعريفاته وتسمياته، فتسميته (أدبًا)
قد يثير الالتباس بوجود إنتاج أدبي يسميّ (مقارَنًا)، وإنما الموجود هو تلك
الدراسات التاريخية المقارِنة للآداب، مما حـدا بغنيمي هـلال إلى اقتراح تسميته بـ
" التاريخ المقارِن للآداب" أو " تاريخ الأدب المقارن" معترفا
في الوقت نفسه بأن مصطلح "الأدب المقارَن" قد صار الأكثر شيوعًا وتداولا
رغم نقصه"([5]) فقد انتقلت ترجمته الحرفية من الفرنسية
إلى جلّ اللغات الأوربية باستثناء الألمانية التي استعمل فيها مصطلح أكثر دقة هو
"العلم المقارِن (بكسـر الـراء) للأدب"، وكان يُشــار به إلى المنهج
العلمي المتبع لا إلى موضوع الدراسة (الأدب)، وقد شاع خلال القرن 19 مصطلح آخر في
الألمانية هو " التاريخ المقارن (بكسر الراء) للأدب"([6]) مؤكدا
على البعد التاريخي لهذا النوع من الدراسات.
أما تعريفاته فنستعرض منها الأهم:
1- هو دراسة الأدب
الشفوي وخاصة موضوعات الحكايات الشعبية وكيفية تطورها ودخولها حقل الأدب الفني
والرسمي. شاع هذا المفهوم في أوروبا الشمالية لفترة قصيرة، وكان دعاته يهدفون إلى
البحث عن أصول الآداب الإنسانية، بتحديد تلك الأفكار التي كانت ملكا لأمم بعينها
قبل أن تصير مشتركة بين ثقافات العالم وشعوبه.
2- يرى (بول فان تيغم) أن الأدب المقارن
يعني دراسة اللمسات المشتركة لعدة آداب، سواء أكان بينها مشتركات أو توارد.
فمَهَمَّة المقارِنِ هي تقرير التشابهات والاختلافات بين كتابين أو نصّين أو
موضوعين من لغتين أو أكثر، حتى نعرف نوعية التأثّــــــــــــــــــــــر أو
الاقتباس. فالأدب المقارن يشمل في مفهومه الأوسع ما يسميه هو (الأدب العام). غير أن (فان تييغم)
يكتشف فيما بعد وجه النقص في هذا التعريف، فيعمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد
إلى حَصر»الأدب المقارن «"في العلاقات
»الثنائية « أي في عنصرين، بينما ينسحب
»الأدب العام « على
»البحث في الحقائق المشتركة بين آداب عدة «،
لكن يمكننـــــــــــــا أن نرد على ذلك بقولنا إن من المستحيل
رسم الخط الفاصل بين
الأدب المقارن والأدب العام، بين
تأثير ولترسكوت
في فرنسا وبين نشأة الرواية التاريخية مثلا"([7]).
3- أما هنري باجو فيقول إنّ: "الأدب
المقارن هو الفن المنهجــــــــــــــــــــي الذي يبحث في علاقات التشابه،
والتقارب، والتأثير، وتقريب الأدب من مجالات التعبير والمعرفة الأخرى، أو أيضاً،
الوقائع والنصوص الأدبية فيما بينها، المتباعدة في الزمـــــــان والمكان أو
المتقاربة، شرط أن تعود إلى لغات أو ثقافات مختلفة، تشكل جزءاً من تراث واحد من
أجل وصفها بصورة أفضل، وفهمها، وتذوقها".([8])
يحدد
التعريف المهام المتعددة التي يؤديها العمل المقارني، فهو يـرّب الأدب من مجالات
التعبير والمعرفة الأخرى كالفلسفة والتاريخ والرسم والموسيقى، باعتبار أن تلك
الآداب والفنون تتفاعل فيما بينها عبر الزمان والمكان وتتكاتف للتعبير عن تجارب
الإنسانية واهتماماتها وسيرورة تطورها، فهي في النهاية تمثل مجتمعة تراث الإنسانية
جمعاء، والمقارن عندما (يقرّب) نصاً أدبياً من اقتبـــاس سينمائي أو لوحة أو قطعة
موسيقية مثلا، أو عندما (يقارن) بين الأدب والتاريخ، أو الأدب والتحليل النفسي،
فإنه يسعى إلى وصف ذلك النص وفهمه وتذوقه بشكل أفضل. وأخيرا يبقى الشرط الأخير
لإجراء المقارنة اختلاف اللغة والانتماء القومي للنصين المقارن بينهما.
4- أما "هنري
رماك" ([9])
(Henry Remak) فيعرف الأدب المقارن بأنه المقارنة بين أدبين أو آداب مختلفة
ودراسة العلاقات بين الأدب ونواحي المعرفة الأخرى بما فيها الفنون الجميلة
والفلسفة والتاريخ والعلوم.
والأمر يتعلق
أخيرًا بذلك النوع من الدراسات الأدبية التي تهتم بتلمس مظاهر التأثــــر والتأثيــر
بين الآداب، وبامتــداد أدب قومي مـا إلى آداب أخرى وتأثيره فيها أو تأثره بها،
دراسة ترمي إلى كشف مظاهر عالمية أدب ما، فلا يمكن اعتبار مقولة (الحدود القومية
واللغوية بين الآداب) مبررًا لما قد يصحبها من ادعاءات عنصرية، إذ لا يخفى ما
يحمله ذلك التوجه التاريخي من نزعة عرقية أو استعمارية متعالية لا تكتفي بمجرد
الكشف الموضوعي عن مظاهر التبادل بل تتعداه إلى تبرير تفوق عنصر بشري على آخر.
وهنا يرى بعض
الدارسين إلى أن ( الأدب المقارن) قد دأب منذ نشأته الأولى وحتى مرحلته العلمية
على نبذ المزاعم القومية ورفض ادعاءات التفوق العنصري، بدليل توجه بعض الأدباء إلى
تعريف مواطنيهم على آداب غيرهم فأثروا آدابهم بصور إبداع جديدة، ومن هؤلاء: (Madame de Staël) التي عرفت الفرنسيين بالأدب الألماني، (ودوبيلاي De Bellay) الذي نقل أدب اليونان وروما وإيطاليا إلى
فرنســــــــــا في عصر النهضة ([10]).
وإذا دققنا
النظر في المفهوم التاريخي للدراسات المقارنة وجدناها وثيـقة الصلـة بالنقد
الأدبي، فكلاهما يسعى إلى الكشف عن القيم الفنية والجمالية الكامنة في العمل
الأدبي وتفسيرها بفك رموزها وكشف المؤثرات التي أسهمت في بلورتها، وصولا إلى تأصيل
الظواهر الأدبية وتعليلها ووضعها في إطارها التاريخي الصحيح. ومن هنا فإن المقارنة
ليست مجرد تصنيف شكلي بسيط للنصوص وإنما هي نوع من النقد الذي تصل به القراءة إلى
أن ينتج نصًّا أدبيًا آخر أو "عملاً إبداعيا آخر يصح أن نسميـه الأدب
المقـارن" ([11]) وهي
الرؤية التي حدت ببعض النقاد إلى التمسك بمصطلح ( الأدب المقارَن) بفتح الراء،
وإلصاق صفة الأدبية أو الإبداع بالمقارنة.
وأخيرا
تجدر الإشارة إلى أن الدرس المقارن قد تجاذبته اتجاهات ومدارس متعددة المشارب
مختلفة المناهج والرؤى، كالمدرسة الفرنسية (التاريخية)، الأمريكية (النقدية)
والاشتراكية، وقد تباينت في تعريف المقارنة وتحديد شروطها. فبخصوص الحدود اللغوية بين
الآداب المقارَن بينها مثلا، يظهر الخلاف جليا بين الاتجاهين: التاريخي والنقدي، إذ
يرى أولهما أن " الحدود الفاصلة بين تلك الآداب هي اللغات، فالكاتب أو الشاعر
إذا كتب كلاهمـــا بالعربيــــــة عددنا أدبه عربيـــــــا مهما كان جنســــــــــــه
البشـــــــــــري الذي انحدر منه" ([12]) فلا
تصح المقارنة بين أدبيين كتبا باللغة نفسها حتى وإن اختلفا في الموطن.
أما التوجه
الثاني فقد فرضته: " تطورات سياسية وحضارية، كان من شأنها أن غـيرت من
النظرية القديمة التي كانت تشترط لقيام دراسة مقارنة، أن تكون بين أدبيين من لغتين
مختلفين" ([13]) فهناك شعوب كثيرة متباعدة لا
يجمع بينها إلا قاسم اللغة، تستقيم المقارنة بين آدابها، كأن تقارن بين الأدبين
الإنجليزي والأمريكي.
وحتى شرط
" ثبوت الصلة" بين الآداب كي تتم المقارنة بينها قد غدا موضع خلاف آخر
بين أتباع المدرسة التاريخية (الفرنسية) الذين تمسكوا بمبدأ ثبوت الاتصال تاريخيا
قبل المقارنة، وبين المدرسة الأمريكية التي أسقطت هذا الشرط معتبرة أن البحث في
عالمية الأدب يمرُّ حَتْمًا عَبْرَ ترصّد الظواهر الأدبيـة المشتركة التي تقرب بين
الآداب بغـض الطّـرف عن حصول الاتصال بينها أو عدمه، انطلاقا من فكرة تحقيق
"عالمية الأدب" ورصد مظاهرها، بدل التركيز على تاريخ الصلات بين الآداب
والأدباء التي هي من اختصاص المؤرخ قبل غيره.
[1] )_ ماريوس فرونسوا غويار، الأدب المقارن، تر: هنري زغيب، منشورات
عويدات، بيروت، لبنان، ط 2، 1988، ص7.
[6]) – ينظر:
كلود بيشوا، أندري م. روسو، الأدب المقارن، تر: أحمد عبد العزيز، مكتبة الأنجلو
مصرية، القاهرة، ط:3 ، 2001، ص: 29.
[7] )_ رينيه ويليك، مفاهيم نقدية، تر: جابر
عصفور، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1987،
ص298
[8]) _
دانييل - هنري باجو ، الأدب العام والمقارن، ترجمة : غســان الســـيد ،
منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1997، ص 12
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire